🏠

آية الله
السيد مجتبى الحسيني الخامنئي (حفظه الله)

المقدمة

آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي هو نجل سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، وثالث قائد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويُعدّ من أبرز الشخصيات العلمية والحوزوية والثقافية في العالم الإسلامي.
نشأ منذ طفولته في أسرة عُرفت بالعلم والتقوى والجهاد وخدمة الإسلام، وتلقى على يد والده الجليل التربية والتوجيه، فسلك طريق طلب العلم، وتهذيب النفس، وخدمة الدين.
ويُعدّ اهتمامه المتواصل بالحوزات العلمية، ومشاركته في التدريس والبحث العلمي، وعنايته بتربية الطلبة، إلى جانب التزامه الراسخ بمبادئ وقيم الثورة الإسلامية، من أبرز السمات التي امتازت بها سيرته.
أُعدّت هذه الصفحة للتعريف بحياة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، وإبراز إسهاماته العلمية، وأنشطته الثقافية والاجتماعية، والجوانب المختلفة من شخصيته، ليتعرّف القارئ بصورة أعمق على حياته، وفكره، وخدماته.

الطفولة

الطفولة

آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي هو الابن الثاني لقائد الثورة الإسلامية، الإمام المجاهد الشهيد سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي (رضوان الله عليه). وُلد عام 1969 في مدينة مشهد المقدسة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقضى فيها سنوات طفولته حتى عام 1978.


الاسرة

الوالد والجد

وُلِد جدّه، سماحة آية الله السيد جواد الحسيني الخامنئي، في مدينة النجف الأشرف في العراق في 7 ديسمبر 1895، وتوفي في 5 يوليو 1986. وكان يُعدّ من كبار علماء عصره ومن أبرز المجتهدين.
أما والده، الإمام المجاهد الشهيد سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي (رضوان الله عليه)، فقد وُلِد في 19 أبريل 1939 في مدينة مشهد المقدسة. وبعد سنوات طويلة من الدراسة في الحوزات العلمية في مشهد وقم والنجف، نال درجة الاجتهاد. ومنذ شبابه شارك بفاعلية في الحركة التي قادها الإمام الخميني (قدس سره) ضد نظام بهلوي، وتعرّض بسبب نشاطه الثوري للاعتقال والنفي مرات عديدة.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية، تقلّد العديد من المسؤوليات المهمة، منها: عضوية مجلس الثورة الإسلامية، والأمانة العامة لحزب الجمهورية الإسلامية، وتولي مسؤوليات قيادية في حرس الثورة الإسلامية، وإمامة صلاة الجمعة في طهران، وتمثيل الإمام الخميني (قدس سره) في المجلس الأعلى للدفاع، وتمثيل أهالي طهران في الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي، وعضوية مجلس خبراء القيادة، ورئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدورتين متتاليتين، ثم قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وقد أكّد آية الله الخامنئي طوال حياته على قيم العلم والثقافة والعدالة والاستقلال، ووحدة الأمة الإسلامية، ودعم الشعوب المستضعفة، ولا سيما الشعب الفلسطيني. وتُعدّ مؤلفاته وخطبه وتوجيهاته في المجالات الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية من المصادر القيّمة للباحثين والمهتمين بالفكر الإسلامي.
وبعد عقود من الجهاد والعطاء، استُشهد في 28 فبراير 2026 إثر قصف جوي استهدف بيت القيادة، ونُسب إلى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، وذلك برفقة ابنته وحفيدته وزوجة ابنه وصهره. وبعد مراسم تشييع حاشدة في طهران وقم والنجف وكربلاء، ووري جثمانه الثرى في 9 يوليو 2026 في رواق دار الذكر داخل المرقد الطاهر للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمدينة مشهد المقدسة.


المشاركة في الحرب بين إيران والعراق

المشاركة في الحرب بين إيران والعراق

تلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في المؤسسات التعليمية في مدينتي مشهد وطهران على التوالي. وفي سن السادسة عشرة، بينما كان لا يزال طالبًا، توجّه إلى جبهات الحرب الإيرانية العراقية، والتحق بكتيبة حبيب بن مظاهر التابعة للواء السابع والعشرين محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أدّى واجباته إلى جانب المجاهدين. كما خدم لفترة في لواء سيد الشهداء (عليه السلام).
وشارك في العديد من العمليات العسكرية، ولا سيما عملية كربلاء الأولى، وكان في الصفوف الأمامية لجبهات القتال، مؤديًا دوره الميداني بكل شجاعة وإخلاص.

المجاهد المجهول

ذكر العميد سردار علي فضلي، في حديثه عن وصية السيد مجتبى بعدم الكشف عن هويته بين رفاقه في الجبهة، فقال:
لقد حظيتُ بشرف مرافقة أخي العزيز سماحة السيد مجتبى مدةً من الزمن في لواء سيد الشهداء (ع). وعندما كان في هذا اللواء أوصاني قائلاً: نادِني بـ«السيد الحسيني»، لأننا لم نأتِ إلى هنا طلبًا للشهرة أو الفخر، وإنما جئنا لأداء واجبنا الشرعي والثوري.
وكان السيد مجتبى قد خدم قبل ذلك في اللواء العاشر. وخلال الفترة التي قضاها في لواء سيد الشهداء (ع) شهدنا فيه خصالًا متميزة كثيرة. فقد كانت توقعاته واحتياجاته مساويةً لسائر المجاهدين، بل أقل منهم أحيانًا. ولم أرَه يومًا يطلب لنفسه امتيازًا أو تسهيلًا يزيد على ما يُعطى لإخوانه المجاهدين، بل كان يكتفي بأبسط الإمكانات ويقنع بالقليل.
وكان يحرص دائمًا على التواجد في المواقع الأكثر خطرًا، ويتجنب البقاء في الأماكن الآمنة. وكان من عادته الدائمة أن يتفقد الخطوط الأمامية باستمرار، ويطمئن على أحوال المجاهدين، ويحضر بنفسه في مواقع المواجهة. كما كان، في الأوقات المناسبة، يمازح المجاهدين ويلاطفهم، مما كان يسهم في ترسيخ أجواء المحبة والأخوّة ورفع المعنويات في الجبهة.
أما في الصلاة، فقد كانت له عادة مميزة؛ فإذا لم تُقم صلاة الجماعة، كان يفضل أداء صلاته منفردًا وفي هدوء تام. وكان يختار الأماكن البعيدة والمظلمة التي يقل فيها مرور الناس. وعلى الرغم من كثرة الخيام، كان يختار دائمًا الخيام النائية للعبادة والدعاء ومناجاة الله. ولم يكن هذا أمرًا عارضًا أو حدث مرة أو مرتين، بل كان دأبه المستمر.

واقعةٌ أخرى لا تُنسى من جبهة القتال

يروي القائد البارز في الدفاع المقدس، الشهيد العميد نور علي شوشتري، حادثةً وقعت أثناء إحدى العمليات العسكرية، متحدثًا عن حضور السيد مجتبى وأخيه، فيقول:
رأيتُ أن السيد مجتبى يبدو قلقًا بعض الشيء، فسألته: ما الأمر؟ فأشار إلى نظارته وقال: لقد انكسرت! فقلت له: وما الذي يدعو إلى القلق في ذلك؟ فقال: أخشى أن أُحرم من المشاركة في هذه العملية، لأن إصلاحها سيستغرق وقتًا، وقد يفوتني الالتحاق بالمجاهدين.
وكانت هذه العملية من أعقد العمليات، وكانت احتمالات وقوع بعض المجاهدين في الأسر قائمة. ولذلك لم يُشارك فيها إلا أكثر المجاهدين شجاعةً وإقدامًا واستعدادًا لتحمل المخاطر.
وقد أوصيتُ رفاقي سرًّا ألا يُصلحوا نظارة السيد مجتبى، حتى ينطلق المجاهدون الآخرون ويبقى هو وأخوه في الخلف. ولكن بينما كنت منشغلًا بالاتصالات اللاسلكية وسائر شؤون العملية، استطاع بطريقةٍ ما أن يُصلح نظارته مؤقتًا بواسطة دبوس، ثم انطلق مع أخيه نحو جبهة القتال.
حاولتُ كثيرًا أن أمنعهما، لكنني لم أوفَّق، ومضيا إلى ساحة المعركة. وبعد ذلك اتصلتُ بقائد اللواء الذي ينتميان إليه، وقلت له: إنهما في طريقهما إليكم، فاحرصوا على ألا يُشاركا في القوة الأولى المكلَّفة باختراق خطوط العدو.
وفي اليوم التالي، عندما وصلتُ إلى منطقة العمليات، رأيتُهما على مرتفعات قَشَن، في أقصى المواقع الدفاعية الأمامية؛ في مكانٍ كان إخلاء الجرحى منه بالغ الصعوبة، كما كان إيصال السلاح والذخيرة والمؤن إليه أمرًا شاقًّا للغاية.
فقلتُ لأخينا العميد فضلي: سيادة العميد فضلي، لقد وصلا إلى موقعٍ بالغ الخطورة. إن استشهادهما ليس هو ما يقلقنا، ولكن إن وقع ـ لا سمح الله ـ أحدهما في أسر العدو، فستكون لذلك تبعات دعائية وإعلامية باهظة علينا. فأجابني قائلاً: لقد نهيتهما الليلة الماضية، لكنهما ذهبا إلى هذا المحور بإرادتهما وإصرارهما.


الدراسة الحوزوية والاجتهاد

الدراسة الحوزوية والاجتهاد

بدأ آية الله السيد مجتبى الخامنئي دراسته الحوزوية عام 1985 في مدرسة آية الله مجتهدي في طهران، ثم انتقل عام 1989 إلى الحوزة العلمية في قم. وأكمل دراسة مرحلة السطوح العليا على أيدي عدد من كبار أساتذة الحوزة، منهم آية الله أحمدي ميانجي، وآية الله رضا أستادي، وآية الله أوسطي، وغيرهم من الأساتذة البارزين.
وفي عام 1992، بدأ حضور درس البحث الخارج في فقه الجهاد، الذي كان يلقيه الإمام المجاهد سماحة آية الله العظمى الإمام الخامنئي (دام ظله). كما حضر دروس البحث الخارج في الفقه والأصول عند آية الله الحاج الشيخ مجتبى الطهراني، واستفاد من مباحثه العلمية.
وخلال هذه الفترة، واصل تحصيله العلمي في مختلف التخصصات، كما أتم دورةً تخصصيةً في اللغة الإنجليزية.

في معية شيوخ السلوك

تزوّج آية الله السيد مجتبى الخامنئي عام 1997 من الشهيدة السيدة زهراء حداد عادل. وفي العام نفسه، هاجر مرةً أخرى إلى مدينة قم لإكمال دراسته الحوزوية والتزوّد من الفيوضات الروحية، حيث واظب لمدة سبعة عشر عامًا على حضور دروس البحث الخارج في الفقه والأصول لدى آيات الله: الشيخ وحيد الخراساني، والشيخ جواد التبريزي، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، والشيخ محمد المؤمن القمي.
وشملت نشاطاته العلمية تدوين تقارير دروس البحث باللغة العربية، والمتابعة الدقيقة للمباحث العلمية، ومناقشة أساتذة البحث الخارج في الإشكالات العلمية، والحوار النقدي، ودراسة المسائل الفقهية والأصولية بعمق. وقد لفتت هذه الجهود العلمية أنظار عدد من كبار أساتذة الحوزة، الذين أولوه عنايةً خاصة.
وقد أسهمت موهبته العلمية الفذة، واجتهاده المتواصل، وثباته، ودقته في البحث، واستقلاله الفكري، في تقديم عدد من الإبداعات العلمية الرصينة في العلوم الحوزوية، ولا سيما في الفقه، وأصول الفقه، وعلم الرجال.
ومن أبرز ملامح شخصيته العلمية تمتعه بمنظومة فكرية متماسكة ومنهج علمي راسخ في فهم المعارف الإسلامية، والتزامه بهذه الأسس في مختلف مؤلفاته وأبحاثه وتحقيقاته العلمية، وهو ما يُعد من أهم خصائصه وامتيازاته العلمية.

إحاطةٌ عميقة بالمذاهب الفقهية

يتمتع آية الله السيد مجتبى الخامنئي بإحاطةٍ علميةٍ عميقة بالمناهج الفقهية والأصولية لكلٍّ من الشيخ الأعظم الأنصاري، والآخوند الخراساني، والمحقق النائيني، وآقا ضياء العراقي، والمحقق الإصفهاني، والإمام الخميني (قدس سره)، وآيتي الله العظمى البروجردي والخوئي، وكذلك الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره). وقد أسهم هذا الإحاطة الواسعة في ترسيخ مبانيه العلمية وإضفاء مزيدٍ من القوة والمتانة والقيمة عليها.
ومن أبرز سمات منهجه العلمي اهتمامه البالغ بآثار أصحاب الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وآراء الفقهاء المتقدمين، ولا سيما نظرية «الارتكاز المتشرعي في عصر المعصوم»، حيث يعدّها من المبادئ الأساسية التي يعتمد عليها في عملية استنباط الأحكام الشرعية.
ومن الجوانب البارزة في شخصية آية الله السيد مجتبى الخامنئي أيضًا صلته الوثيقة بكبار أساتذة الأخلاق والعرفان. ومن أبرزهم آيات الله: الشيخ بهاء الديني، والشيخ بهجت، والسيد الكشميري، والشيخ جعفر المجتهدي، إلى جانب عددٍ من أهل المعرفة والسلوك، وقد نهل من علومهم وتوجيهاتهم واستفاد من صحبتهم استفادةً كبيرة.

التدريس والأنشطة العلمية والدينية

بدأ آية الله السيد مجتبى الخامنئي مسيرته في التدريس أثناء فترة تحصيله العلمي، حيث شرع في تدريس الفقه وأصول الفقه وهو لا يزال طالبًا في الحوزة. واستهل نشاطه العلمي بتدريس المقدمات الحوزوية في الحوزة العلمية بطهران.
وبناءً على تأكيد آية الله العظمى الشهيد السيد علي الخامنئي (دام ظله) على ضرورة إحداث نهضة علمية في الحوزة العلمية، وإحياء منهج الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، أوقف تدريس كتاب «المعالم»، وبدأ بتدريس كتاب «الحلقات في علم الأصول» للشهيد الصدر.
وبعد انتقاله إلى مدينة قم المقدسة، بدأ بتدريس كتابي «الرسائل» و«المكاسب» في بيت الإمام الخميني (قدس سره)، كما شرع في تدريس كتاب «الحلقات» في علم الأصول. وفي عام 2007 انتقلت دروسه إلى المدرسة العلمية الفيضية، حيث اتسعت حلقته العلمية وازداد عدد المشاركين فيها.
وفي عام 2008 افتتح درسًا خاصًا في البحث الخارج حول «كتاب الصلاة» في مكتب آية الله العظمى الإمام الخامنئي (دام ظله) بمدينة قم. ثم، ومع بداية العام الدراسي عام 2009، واستجابةً لطلب عدد من طلاب الحوزة، بدأ أيضًا بإلقاء الدرس العام والرسمي في البحث الخارج للفقه. وبعد عام واحد، أي في سنة 2010، افتتح رسميًا درسه العام في البحث الخارج لأصول الفقه، واستمر في تدريس مباحث الأصول ابتداءً من أبوابها الأولى حتى بداية مبحث الاستصحاب.

منهج التدريس

كان سماحته يحرص، قبل إلقاء الدرس، على إعداد مباحثه العلمية وكتابتها بصورةٍ منظمة ودقيقة، كما كان يُدوّن بيده بعد انتهاء الدرس البحوث الفقهية والأصولية، وقد أصبحت بعض مجلداتها جاهزة للنشر.
كما قام عددٌ من تلامذته، منذ سنوات، بتدوين تقريرات دروسه العلمية، إلا أنها لم تُنشر للعامة حتى الآن بسبب عدم موافقته على ذلك. غير أنه، وبعد إلحاحٍ متكرر من بعض أهل العلم، أُتيح الاطلاع على هذه التقريرات لعددٍ محدود من العلماء وفضلاء الحوزة العلمية.
ومن أبرز مميزات منهجه التدريسي اهتمامه الخاص بالتربية العلمية لطلابه، وعنايته البالغة بالإجابة عن إشكالاتهم العلمية. فكان كثيرٌ من التلامذة يعرضون عليه، بعد انتهاء الدرس، أسئلتهم وإشكالاتهم في جلسات علمية مطولة، حضورًا أو عبر وسائل أخرى، وكان يجيب عنها بصبرٍ وأناةٍ وسعة صدر.
ومن الجوانب البارزة الأخرى في أسلوبه التدريسي حرصه على تنمية التفكير النقدي لدى طلابه، وتعزيز ملكة الاستنباط لديهم، وتأهيلهم عمليًا للبحث والتحقيق العلمي، وتمكينهم من عرض ومناقشة المسائل الفقهية بأسلوبٍ علمي رصين.

توقّف دروس البحث الخارج

مع بداية العام الدراسي 2022، بلغ عدد المسجلين في درس البحث الخارج لسماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي أكثر من (1300) طالب. وفي ظل هذه الظروف، شكّل إعلانه تعليق الدرس في أول جلسة من العام الدراسي الجديد مفاجأةً كبيرةً لتلامذته وجميع الحاضرين.
وعقب ذلك، بُذلت محاولات عديدة لإقناعه بالعدول عن هذا القرار. فقد وجّه ألفٌ من طلبة وأساتذة الحوزة العلمية في قم رسالةً إلى سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد علي الخامنئي (أعلى الله مقامه الشريف)، طلبوا فيها استئناف درسه، كما عبّر عددٌ من كبار علماء قم، شفهيًا، عن رغبتهم في عودة هذا الدرس.
إلا أن آية الله السيد مجتبى الخامنئي أوضح، خلال لقائه ببعض تلامذته القدامى، أن سبب تعليق الدرس يعود إلى أمرٍ روحي ومعنوي لا يمكن الإفصاح عنه. كما أكد أنه، في ظل الظروف التي أعقبت جائحة كورونا، حيث أصبحت دروس كثيرٍ من كبار أساتذة الحوزة قليلة الحضور أو توقفت تمامًا، لا يرى من المناسب أن يستمر درسه بحضور هذا العدد الكبير من الطلبة. ولذلك طلب من الحاضرين الكف عن أي مطالبات شخصية أو جماعية تدعو إلى استئناف الدرس.
وقال أيضًا لتلامذته:
«وجِّهوا الطلبة والفضلاء الذين كانوا يحضرون درسي إلى المشاركة في دروس الأساتذة الآخرين.» وأضاف أن الأستاذ المثالي ينبغي أن يتحلى بثلاث خصال أساسية: الكفاءة العلمية، والفكر الثوري، وسلامة النفس وطهارة السريرة.

تأسيس المراكز العلمية والمدارس الفقهية

بعد أن أبدى في البداية عدم استعداده لذلك، واستجابةً لإلحاح المقربين، وامتثالًا لتوجيه قائد الثورة الشهيد بكتابة حاشية على كتاب «العروة الوثقى»، كرّس سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي جهوده العلمية لهذا المشروع، إلى جانب إعادة تحرير وتنقيح أبحاثه الفقهية والأصولية.
ومن جهة أخرى، وانطلاقًا من الرؤية الإصلاحية والتطويرية التي كان يؤكد عليها قائد الثورة الشهيد لتعزيز نظام الفقاهة في الحوزة العلمية بقم، اتجه آية الله السيد مجتبى الخامنئي إلى رعاية عددٍ من المؤسسات والمراكز الفقهية الثورية ذات المناهج والاجتهادات العلمية المتنوعة، كما بادر بنفسه إلى تأسيس عددٍ من المراكز العلمية والمدارس الفقهية.
وعلاوةً على ذلك، فقد أسهم اهتمامه العميق بالقضايا العلمية، وإحساسه بالمسؤولية الاجتماعية، ولا سيما حرصه على خدمة الفئات المحرومة، في إيجاد منظومة تربوية متكاملة داخل هذه المدارس، أثمرت عن إعداد نخبةٍ من المؤمنين المخلصين، والثوريين، والملتزمين بخدمة المجتمع.
ومن أبرز ما يميز سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي حرصه الشديد ودقته البالغة على ألا تتحول شخصيته إلى محورٍ للأنظار بأي شكلٍ من الأشكال، وإصراره الدائم على تقوية الحوزة العلمية وترسيخ النهضة الحوزوية الثورية، مع التأكيد على جعل شخصية الإمام الخميني (قدس سره) وآية الله العظمى الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس سره) ومدرستهما الفكرية محورًا أساسيًا، والابتعاد عن مظاهر التنافس الشخصي أو المؤسسي. وقد نالت هذه الرؤية تقديرًا واسعًا من كبار العلماء، وأسهمت في إقبال عددٍ كبير من الأساتذة والفضلاء على هذه المراكز العلمية والمدارس الفقهية، والارتباط بها.


النهج الأخلاقي والإداري

النهج الأخلاقي

حظي آية الله السيد مجتبى الخامنئي بعنايةٍ خاصة ورعايةٍ أبوية من والده الكريم، وظلّ يتربى تحت إشرافه وتوجيهه في مدارج الأخلاق والعرفان والتقوى. وتجسد العبارة التي خطّها قائد الثورة الشهيد بيده المباركة في صدر كتابٍ أهداه إلى نجله خير شاهدٍ على هذه العناية الخاصة.
بسمه تعالى
أُهدي هذا الكتاب القيّم إلى ولدي العزيز وقرة عيني، مجتبى الحسيني. أسأل الله تعالى أن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يوفقه بهدايته، ويثبت أقدامه، ويعصمه من الزلل، ويحفظه من أخطاء اللسان والعمل، ويجعله في كنف عنايته وعصمته.
أدنى عباد الله
علي حسيني الخامنئي
وكان آية الله العظمى السيد علي الخامنئي يوصي أبناءه دائمًا بالابتعاد عن مظاهر الترف الدنيوي والتعلّق بالماديات. ولذلك اختار آية الله السيد مجتبى الخامنئي أن يعيش حياةً بسيطةً تليق بطالب العلم. كما حرص، طوال سنوات دراسته وتدريسه في قم وطهران، على أن يبقى بعيدًا عن الأضواء، متجنبًا الشهرة والظهور، ومؤثرًا الخمول على لفت الأنظار ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

النهج الإداري

تولى آية الله السيد مجتبى الخامنئي، على مدى سنواتٍ طويلة، مسؤولياتٍ مختلفة في خدمة آية الله الخامنئي. فتارةً كان يقوم بمهام الممثل لتنفيذ توجيهاته وأوامره، وتارةً أخرى كان يتولى مهمة التنسيق ونقل وجهات النظر بين القيادة ومختلف المؤسسات والمسؤولين في المجالات السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية وغيرها من أجهزة الدولة.
ولم يكن أيٌّ من أبناء قائد الثورة الشهيد منتميًا إلى أي حزبٍ سياسي، إلا أن ذلك لم يكن يعني بحالٍ من الأحوال أن قائد الثورة الشهيد لم يستفد، في أداء مسؤولياته القيادية، من قدرات أبنائه، ولا سيما آية الله السيد مجتبى الخامنئي، في المجالات السياسية والاجتماعية.
وفيما يتعلق بالشؤون السياسية، والعلاقات مع القيادات العسكرية والشخصيات السياسية البارزة، كان قائد الثورة الشهيد يستفيد من خبرة نجله آية الله السيد مجتبى الخامنئي وكفاءته. غير أن ذلك لا يعني أنه كان يتدخل بصورة مستقلة أو منفصلة في إدارة شؤون البلاد، بل كان يؤدي هذه المهام بصفته معاونًا موثوقًا لوالده الكريم، وضمن إطار المسؤوليات التي يكلفه بها.
وبحكم هذه المسؤوليات، ظل آية الله السيد مجتبى الخامنئي، طوال أكثر من عشرين عامًا، مطلعًا عن قرب على كثيرٍ من القضايا السياسية والعسكرية والإدارية في البلاد، وكان حاضرًا إلى جانب والده الشهيد في العديد من القرارات والاختيارات والملفات المهمة، بوصفه شاهدًا مباشرًا، ورفيقًا موثوقًا، ومستشارًا أمينًا. ويؤكد الذين عرفوا عن قرب أسلوب قائد الثورة الشهيد في إدارة شؤون البلاد، أن نجله كان يتجنب تمامًا أي تدخل مباشر في إدارة الدولة، وكان يؤدي دوره دائمًا بوصفه معاونًا نزيهًا، ومستشارًا محلَّ ثقة، وخادمًا مخلصًا يقف إلى جانب والده الشهيد في أداء مسؤولياته.

إحاطةٌ عميقة بالقضايا المصيرية والشؤون الأساسية للدولة

إن الإحاطة العميقة بالقضايا المصيرية للدولة، والعلاقات الوثيقة مع كبار المسؤولين، والمشاركة في العديد من الاجتماعات الاستشارية والإدارية المهمة عبر مراحل مختلفة، إلى جانب سعة الاطلاع في مختلف الحقول العلمية، واستمرار الحوار مع أهل الفكر والمعرفة، والقدرة على الوصول إلى حلولٍ رصينة وفاعلة لمختلف قضايا الحكم، قد وفّرت لسماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي رصيدًا علميًا وعمليًا كبيرًا يؤهله لتحمل مسؤوليات قيادة الثورة الإسلامية.
كما تُعد علاقاته المستمرة والوثيقة مع القادة العسكريين وقادة جبهة المقاومة، ولا سيما سيد شهداء المقاومة الشهيد السيد حسن نصر الله، والقائد الشهيد الحاج قاسم سليماني، من الجوانب البارزة في شخصيته.
وبسبب هذه العوامل مجتمعة، ظلّ عرضةً لعداءٍ طويل الأمد من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، اللذين سَعَيَا باستمرار إلى تشويه صورته، واستهدافه جسديًا، وإطلاق مختلف أنواع التهديدات القولية والعملية، بهدف الحيلولة دون اختياره لقيادة النظام الإسلامي. إلا أن جميع هذه المحاولات العدائية قد باءت بالفشل حتى اليوم، بفضل عناية الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وتوفيقه.


قيادة النظام الإسلامي

قيادة النظام الإسلامي

بعد استشهاد آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي، إثر القصف الوحشي الذي شنّته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على بيت القيادة في 28 فبراير/شباط 2026، انتخب مجلس خبراء القيادة، بأغلبيةٍ ساحقة، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وبعد توليه هذه المسؤولية، أكد على صون مبادئ الثورة الإسلامية، وتعزيز الوحدة الوطنية، والحفاظ على استقلال البلاد وسيادتها، ودعم التقدم العلمي والثقافي، وترسيخ العدالة الاجتماعية، ومساندة الشعوب المستضعفة في مختلف أنحاء العالم. كما دعا إلى الوحدة والتلاحم والصمود، مشددًا على أن قيادة النظام الإسلامي ستستمر في إطار دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى أساس القيم والمبادئ الإسلامية.

“Knowledge, faith, and perseverance build civilizations.”
English